ابن عربي
164
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 97 ] قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 97 ) راجع نزول القرآن على القلب آية 121 .
--> [ لو تمنوا الموت ما قام أحد من مجلسه حتى يموت غصصا بريقه ] فأخبر عليه السلام بالأمر قبل كونه ، وقال « وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ » وعيد وتهديد لليهود لأنهم يعلمون أنهم ظالمون ، فإنهم على يقين من صدق ما كفروا به ، ويعلمون أن اللّه يعلم ذلك ، وعملهم يقتضي بالحال أنهم يعتقدون أن اللّه لا يعلم ذلك ، كما يذهب إليه بعض النظار من الفلاسفة أن اللّه لا يعلم الجزئيات ، فهذا فائدة قوله لهم « وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ » ، ثم قال لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ( 97 ) « وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ » هما معمولان لهذا الفعل ، أي أشد الناس حرصا ، والألف واللام للجنس ، فأنهم أحرص على الحياة من كل أحد وخصوصا « و » أحرص « مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا » فإنه لا أحد أحرص على الحياة ممن لا يقول بالبعث ، فيستغنم الحياة الدنيا ، فهو شديد الحرص على طلبها ، وهؤلاء اليهود المنكرون ما تيقنوا أنه صدق ، وقد تيقنوا العقوبة على ذلك من كتابهم ، فهم قاطعون بالوعيد ، فحرصهم على الحياة أشد من حرص من لا يؤمن بالبعث لما يؤلون إليه في الدار الآخرة من العذاب ، وهو الأوجه في الترجمة عن هذه الآية ، وقوله « عَلى حَياةٍ » منكّرة أي حياة بهذه الصفة من الطول « يَوَدُّ أَحَدُهُمْ » أي يتمنى « لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ » والمعنى أبدا ، لعلمه بما يصير إليه بعد الموت ، قال تعالى « وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ » فهنا وجهان - الواحد : أن الدنيا لا بد من تناهيها ، فلا بد من الموت واللحوق بما ذكرناه من الوعيد لهم ، ففيه أنهم لا يتوبون ولا يتوب اللّه عليهم ، فهذا يأس من اللّه لهم وهو سديد ، والوجه الآخر : أنه وإن كانت الإقامة في الدنيا لهم سرمدا ولا تكون آخرة فليس هذا مما ينجيهم من عذابنا ، فإن العمر الطويل وغير الطويل لا ينجي من العذاب « وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ » أي يبصر ويرى ما يكون من أعمالهم ، تنبيه على الخوف والحياء منه سبحانه ، وفيه هنا تهديد ( 98 ) « قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ » زعمت اليهود أن اللّه أمر جبريل أن يجعل النبوة في بني إسرائيل فجعلها في العرب ، فاتخذوه عدوا ، كما فعلت الرافضة حيث قالوا : إن اللّه أمر جبريل أن يجعل النبوة في علي ، فجعلها في محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وهذا من جملة ما ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه يكون في أمته ، فقال في الحديث الصحيح [ إنكم لتتبعون سنن من